علي بن محمد البغدادي الماوردي

156

أدب الدنيا والدين

الصنيعة ولزوم الشريعة . والقسم الثالث عدل الإنسان مع أكفائه ويكون بثلاثة أشياء : بترك الاستطالة ومجانبة الإدلال وكف الأذى لأن ترك الاستطالة آلف ومجانبة الادلال أعطف وكف الأذى أنصف وهذه أمور إن لم تخلص في الأكفاء أسرع فيهم تقاطع الأعداء ففسدوا وأفسدوا . وقد روي عن عمر بن عبد العزيز عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أنبئكم بشرار الناس ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه قال : من نزل وحده ومنع رفده « 1 » وجلد عبده . ثم قال : أفلا أنبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه قال : من لا يرجى خيره ولا يؤمن شرّه ثم قال : ألا أنبئكم بشرّ من ذلك ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه قال : من يبغض الناس ويبغضونه » . وروي أن عيسى بن مريم عليهما السلام قام خطيبا في بني إسرائيل فقال : يا بني إسرائيل لا تتكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ولا تكافئوا ظالما فيبطل فضلكم . يا بني إسرائيل الأمور ثلاثة أمر تبين رشده فاتبعوه وأمر تبين غيه فاجتنبوه وأمر اختلفتم فيه فردّوه إلى اللّه تعالى وهذا الحديث جامع لآداب العدل في الأحوال كلها . وقال بعض الحكماء : كل عقل لا يدارى به الكل فليس بعقل تام . وقال بعض الشعراء : ما دمت حيا فدار الناس كلهم * فإنما أنت في دار المداراة من يدر داري ومن لم يدر سوف يرى * عما قليل نديما للندامات وقد يتعلق بهذه الطبقات أمور خاصة يكون عدلهم فيها بالتوسط في حالتي التقصير والسرف لأن العدل مأخوذ من الاعتدال فما جاوز الاعتدال فهو خروج عن العدل . وقد قالت الحكماء : الفضائل هيئات متوسطة بين حالتين ناقصتين وأفعال الخير تتوسط بين رذيلتين ( فالحكمة ) واسطة بين الشرّ والجهالة ( والشجاعة ) واسطة بين التقحم والجبن ( والعفة ) واسطة بين الشّره « 2 » وضعف الشهوة ( والسكينة ) واسطة بين السخط وضعف الغضب

--> ( 1 ) رفده : عطاءه وصلته ، وهو بكسر الراء . ( 2 ) الشّره : هو الحرص الشديد على الطعام ، وهو بفتح الشين والراء .